ابراهيم بن عمر البقاعي
221
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فقال : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أي كما مندوب لكل ميت ، وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثا على أدائها ، لأن أنفس الورثة تشح بها ، لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض أَوْ دَيْنٍ أي إن كان عليه دين . ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو فصوله أو غيرهم أنفع له ، فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه ، وكان ما رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل ، وكان اللّه تعالى هو المستأثر بعلم ذلك ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما « 1 » » الحديث ، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف شاء ؛ قال تعالى حاثا على لزوم ما حده مؤكدا بالجملة الاعتراضية - كما هو الشأن في كل اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله ، وهي على وجوه لا تدرك عللها : آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ما ذكرنا لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً أي من غيره ، لأنه لا إحاطة لكم في علم ولا قدرة ، فلو وكل الأمر في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم مواضعها . ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكدا له بلفظ الوصية ، وزاده تأكيدا بما جعله اعتراضا بين الإيصاء وبين ( فَرِيضَةً ) بين أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى ، فقال ذاكرا مصدرا مأخوذا من معنى الكلام : فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي الذي له الأمر كله ، ثم زادهم حثا على ذلك ورغبة فيه بقوله تعليلا لفريضته عليهم مطلقا وعلى هذا الوجه : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط علما وقدرة كانَ ولم يزل ولا يزال لأن وجوده لا يتفاوت في وقت من الأوقات ، لأنه لا يجري عليه زمان ، ولا يحويه مكان ، لأنه خالقهما عَلِيماً أي بالعواقب حَكِيماً * أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم ، ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب ، فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة ، وأخرى بلا واسطة ، وهذا تارة يكون بنسب ، وتارة بصهر ونسب ، فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه ، وبدأ منه بالنسب لقوته ، وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به .
--> ( 1 ) الراجح وقفه . أخرجه الترمذي 1997 من حديث أبي هريرة وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا وهو حديث ضعيف . وروي عن حديث علي مرفوعا والصحيح عن علي موقوفا ا ه . - أخرجه الديلمي في الفردوس 171 والبيهقي في الشعب 6596 كلاهما من حديث علي . - أخرجه البيهقي في الشعب 6593 و 6594 عن علي موقوفا عليه . وقال : روي عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أوجه أخر ضعيفة والمحفوظ موقوف .